خطب الإمام علي ( ع )

13

نهج البلاغة

اللطيفة التي جمع بها بين الأضداد ، وألف بين الأشتات ( 1 ) . وكثيرا ما أذكر الإخوان بها واستخرج عجبهم منها . وهي موضوع للعبرة بها والفكرة فيها . وربما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردد والمعنى المكرر والعذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف اختلافا شديدا . فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه ، ثم وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعا غير وضعه الأول ، إما بزيادة مختارة أو بلفظ أحسن عبارة ، فتقتضي الحال أن يعاد استظهارا للاختيار ، وغيرة على عقائل الكلام ( 2 ) . وربما بعد العهد أيضا بما اختير أولا فأعيد بعضه سهوا أو نسيانا لا قصدا واعتمادا . ولا أدعي مع ذلك أني أحيط بأقطار جميع كلامه عليه السلام ( 3 ) حتى لا يشذ عني منه شاذ ولا يند ناد ، بل لا أبعد أن يكون القاصر عني فوق الواقع إلى ، والحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي ( 4 ) وما على إلا بذل الجهد وبلاغ الوسع ، وعلى الله سبحانه نهج السبيل ( 5 ) ورشاد الدليل إن شاء الله ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها . ويقرب عليه طلابها . فيه حاجة العالم والمتعلم وبغية البليغ والزاهد ، ويمضي في أثنائه من الكلام في التوحيد والعدل وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن شبه الخلق ما هو بلال كل غلة ( 6 ) وجلاء كل شبهة . ومن الله سبحانه أستمد التوفيق والعصمة . وأتنجز التسديد والمعونة ، وأستعيذه من خطأ الجنان قبل خطأ اللسان ، ومن زلة الكلام قبل زلة القدم . وهو حسبي ونعم الوكيل . باب المختار من خطب أمير المؤمنين عليه السلام وأوامره ويدخل في ذلك المختار من كلامه الجاري مجرى الخطب في المقامات المحصورة والمواقف المذكورة والخطوب الواردة

--> ( 1 ) موضع العجب أن أهل الشجاعة والإقدام والمغامرة والجرأة يكونون في العادة قساة فتاكين متمردين جبارين . والغالب على أهل الزهد وأعداء الدنيا وهاجري ملاذها المشتغلين بالوعظ والنصيحة والتذكير أن يكونوا ذوي رقة ولين وضعف قلوب وخور طباع . وهاتان حالتان متضادتان فاجتماعهما في أمير المؤمنين كرم الله وجهه مما يوجب العجب ، فكان كرم الله وجهه إشجع الناس وأعظمهم إراقة للدم ، وأزهدهم وأبعدهم عن ملاذ الدنيا وأكثرهم وعظا وتذكيرا وأشدهم اجتهادا في العبادة ، وكان أكرم الناس أخلاقا وأسفرهم وجها وأوفاهم هشاشة وبشاشة حتى عيب بالدعابة . ( 2 ) عقائل الكلام كرائمه ، وعقيلة الحي كريمته ( 3 ) أقطار الكلام جوانبه . والناد النافر ( 4 ) الربقة عروة حبل يجعل فيها رأس البهيمة ( 5 ) نهج السبيل إبانته وإيضاحه ( 6 ) الغلة العطش وبلالها ما تبل به وتروى .